سيدنا بلال بن رباح وعظمة الإسلام

      سيدنا بلال بن رباح

          قصة عظيمة

لو سألت الكبير والصغير عن سيدنا بلال
فيجيبك : إنه مؤذن الرسول ... وإنه العبد الذي كان سيده يعذبه بالحجارة المستعرة؛ ليرده عن دينه فيقول: «أحد.. أحد». 

 لم يكن قبل الإسلام أكثر من عبد

 رقيق يرعى إبل سيده على حفنات من التمر، وكان من المحتوم عليه ـ لولا الإسلام

 أن يظل عبدا تائها في الزحام، حتى يطويه الموت، ويطوح به إلى اعماق النسيان

لكن صدق إيمانه، وعظمة الدين الذي آمن به بوآه في حياته، وفي تاريخه مكانا عليا بين عظماء الإسلام وقديسيه.

إن كثيرين من علية البشر، وذوي الجاه، والنفوذ، والثروة فيهم، لم يظفروا بمعشار الخلود

الذي ظفر به «بلال» العبد الحبشي

بل إن كثيرين من أبطال التاريخ لم ينالوا من الشهرة التاريخية بعض الذي ناله بلال...

إن سواد بشرته، وتواضع حسبه ونسبه، وهوائه على الناس كعبد رقيق، لم يحرمه حين أثر الإسلام دينًا، من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه، ويقينه، وطهره، وتفانيه..

إن ذلك كله، لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه أي حساب، إلا حساب الدهشة حين توجد العظمة في غير مظانها..

فلقد كان الناس يظنون، أن عبدا مثل بلال، ينتمي إلى أصول غريبة.. ليس له أهل،  فهو ملك لسيده الذي اشتراه بماله... يروح ويغدو وسط إبله، وماشيته..

كانوا يظنون أن مثل هذا الكائن، لا يمكن أن يقدر على شيء ولا أن يكون شيئا...

ثم إذا هو يخلف الظنون جميعا، فيقدر على إيمان، هيهات أن يقدر على مثله سواه... ثم

يكون أول مؤذن للرسول وللإسلام ـ العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائها

من الذين أسلموا واتبعوا الرسول ﷺ أجل... «بلال بن رباح»!

أية بطولة... وأية عظمة تعبر عنها هذه الكلمات الثلاث «بلال بن رباح»

إنه حبشي من أمة السود.. جعلته مقاديره عبدا لأناس من «بني جمح» بمكة، حيث كانت

أمه إحدى إمائهم وجواريهم..

كان يعيش عيشة الرقيق، تمضي أيامه متشابهة قاحلة، لا حق له في يومه، ولا أمل له في غده

ولقد بدأت أنباء «محمد» ﷺ تنادي سمعه، حين أخذ الناس في مكة يتناقلونها، وحين كان

يصغي إلى أحاديث سادته وأضيافهم، ولا سيما «أمية بن خلف» أحد شيوخ «بني جمح» القبيلة التي كان «بلال» أحد عبيدها..

سمع أمية وهو يتحدث مع أصدقائه وأفراد قبيلته أحيانا أخرى عن الرسول ﷺ حديثا يطفح غيظا، وغمًا، وشرا..

وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون، الصفات التي تصور له هذا الدين الجديد... وكان يحس أنها صفات جديدة على هذه البيئة التي يعيش فيها... كما كانت أذنه

خلال أحاديثهم الراعدة المتوعدة - اعترافهم بشرف محمد وصدقه، وأمانته.

أجل... إنه ليسمعهم يعجبون، ويحارون، في هذا الذي جاء به محمد ﷺ ويقول بعضهم لبعض:

 ما كان محمد يوما كاذبا.. ولا ساحرا.. ولا مجنونا.. وإن لم يكن لنا بد
من وصمه اليوم بذلك كله؛ حتى نصد عنه الذين سيسارعون إلى دينه..!!

سمعهم يتحدثون عن أمانته..

عن وفائه..

عن رجولته وخلقه..

عن نزاهته ورجاحة عقله..

وسمعهم يتهامسون بالأسباب التي تحملهم على تحديه وعداوته، تلك هي: ولاؤهم لدين آبائهم أولا... والخوف على مجد قريش ثانيا ـ ذلك المجد الذي يفيئه عليها مركزها الديني،

كعاصمة للعبادة والنسك في جزيرة العرب كلها، ثم الحقد على بني هاشم، أن يخرج منهم دون غيرهم نبي ورسول..!

وذات يوم يبصر

«بلال بن رباح» نور الله، ويسمع في أعماق روحه الخيرة رنينه، فيذهب إلى رسول اللہ ﷺ ، ويسلم...

ولا يلبث خبر إسلامه أن يذيع.. وتدور الأرض برءوس أسياده من «بني جمح». تلك الرءوس التي نفخها الكبر وأثقلها الغرور...!! وتجثم شياطين الأرض فوق صدر «أمية بن خلف»

الذي رأى في إسلام عبد من عبدانهم لطمة جللتهم جميعا بالخزي والعار..

عبدهم الحبشي يسلم، ويتبع

محمدا..؟!!

هذا فلا بأس.. إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها

ويقول «أمية» لنفسه:

إسلام هذا العبد الآبق..!!

ولكن الشمس لم تغرب قط بإسلام بلال، بل غربت ذات يوم بأصنام قريش كلها، وحماة

الوثنية فيها.

أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للإسلام وحده ـ وإن كان الإسلام أحق به ـ ولكنه

شرف للإنسانية جميعا..

لقد صمد لأقسى ألوان التعذيب صمود الأبرار العظام.

ولكن جعله الله للناس مثلا على أن سواد البشرة، وعبودية الرقبة، لا ينالان من عظمة الروح ذا وجدت إيمانها، واعتصمت بباريها، وتشبثت بحقها

لقد أعطى «بلال» درسا للذين في زمانه، وفي كل زمان، للذين على دينه، وعلى كل دين..

درسا فحواه أن حرية الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذهبا، ولا بملئها عذابا..

لقد وضع عريانا فوق الجمر، على أن يزيغ عن دينه، أو يزيف اقتناعه فأبى...

لقد جعل الرسول العليا، والإسلام، من هذا العبد الحبشي المستضعف أستاذا للبشرية كلها

في فن احترام الضمير، والدفاع عن حريته وسيادته..

لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها إلى جهنم قاتلة... فيطرحونه

على حصاها الملتهب وهو عريان، ثم يأتون بحجر متسعر؛ كالحميم ينقله من

مكانه بضعة

رجال، ويلقون به فوق جسده وصدره...

ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم، حتى رقت لبلال من هول عذابه بعض قلوب

جلاديه، فرضوا آخر الأمر أن يخلوا سبيله، على أن يذكر آلهتهم بخير، ولو بكلمة واحدة ـ لا غير

تحفظ لهم كبرياءهم، ولا تتحدث قريش أنهم انهزموا صاغرين أمام صمود عبدهم وإصراره...

ولكن حتى

هذه الكلمة الواحدة التي يستطيع أن يلقيها من وراء قلبه، ويشتري بها حياته

ونفسه، دون أن يفقد إيمانه، ويتخلى عن اقتناعه.. حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة رفض

«بلال» أن يقولها..!

نعم، لقد رفض أن يقولها، وصار يردد مكانها نشيده الخالد:

«أحد... أحد...»

«أحد... أحد...)

يصيح به جلادوه، بل يتوسلون إليه قائلين: «اذكر اللات والعزى»... فيجيبهم:

أحد أحد ♡ يقولون له: قل كما نقول..

فيجيبهم في تهكم عجيب، وسخرية كاوية:

«إن لساني لا يحسنه»..!!

ويظل «بلال» في ذوب الحميم وصخره، حتى إذا حان الأصيل أقاموا، وجعلوا في عنقه حبلًا، ثم أمروا صبيانهم أن يطوفوا به جبال مكة وشوارعها.. وبلال لا يلهج لسانه بغير نشيده المقدس «أحد.. أحد..»

وكأني إذا جن عليهم الليل يساومونه:

. غدا قل كلمات خير في الهتنا، قل: ربي اللات والعزى؛ ينذرك وشأنك، فقد تعبنا من تعذيبك

حتى

لكأننا

نحن المعذبون!

فيهز رأسه ويقول: «أحد.. أحده.

،

ويلكزه أمية بن

خلف وينفجر

غما وغيظا،ويصيح 

أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء..؟ واللات والعزى لأجعلنك للعبيد والسادة مثلا 


ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس:

أحد.. أحد...

ويعود

للحديث والمساومة، من وكل إليه تمثيل دور المشفق عليه، فيقول:

خل عنك يا أمية... واللات لن يعذب بعد اليوم، إن بلالا منا... أمه جاريتنا، وإنه لن يرضى أن يجعلنا بإسلامه حدیث قريش وسخريتها...

ويحدق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة، ويفتر ثغره عن ابتسامة كضوء الفجر، ويقول في

هدوء يزلزلهم زلزالا: «أحد أحد» 

وتجيء الغداة وتقترب الظهيرة، ويؤخذ بلال إلى الرمضاء، وهو صابر محتسب، صامد

ثابت .

ويذهب إليهم «أبو بكر الصديق» وهم يعذبونه، ويصيح بهم:

(أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله)؟؟

ثم يصيح في أمية بن خلف: خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا...

وكأنما كان أمية يغرق وأدركه زورق النجاة..

لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع «أبا بكر» يعرض ثمن تحريره، إذ كان اليأس من تطويع

بلال قد بلغ في نفوسهم أشده، ولأنهم كانوا من التجار، فقد أدركوا أن بيعه أربح لهم من

باعوه لأبي بكر الذي حرره من فوره، وأخذ «بلال» مكانه بين الرجال الأحرار...

وحين كان الصّديق يتأبط ذراع بلال منطلقا به إلى الحرية قال له أمية:

ـ خذه، فواللات والعزى، لو أبيت إلا أن تشتريه بأوقية واحدة لبعثكه بها...

وفطن «أبو بكر» لما في هذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل، وكان حريا ألا يجيبه.

ولكن لأن فيه مساسًا بكرامة هذا الذي قد صار أخا له، وندا، أجاب أمية قائلا:

ـ والله لو أبيتم أنتم إلا مئة أوقية لدفعتها...!!

. .

وانطلق بصاحبه إلى رسول الله ﷺ يبشره بتحريره... وكان عيدا عظيما!

وبعد هجرة الرسول والمسلمين إلى المدينة واستقرارهم بها، يشرع الرسول للصلاة أذانها؛

فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم...؟ وتصدح الأفق تكبيراته وتهليلاته..؟

إنه بلال... الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب يهده ويشويه أن: «الله أحدأحد».

لقد وقع اختيار الرسول ﷺ عليه اليوم؛ ليكون أول مؤذن للإسلام.

وبصوته الندي، الشجي، مضى يملأ الأفئدة إيمانًا، والأسماع روعة وهو ينادي:


الله أكبر.. الله أكبر

الله أكبر.. الله أكبر


ويسارع إلى هواه في تعذيب المؤمنين الأبرياء، هو نفسه الذي سيقود أمية إلى مصرعه ..

بيد بلال نفسه.. وبلال وحده!!

وبيد من...؟

نفس اليد التي طوقها بالسلاسل أمية، وأوجع صاحبها ضربا، وعذابا ..


هذه اليد ذاتها، هي اليوم، وفي غزوة بدر، على موعد أجاد قدر الله توقيته، مع جلاد قريش الذي أذل المؤمنين بغيا وعدوا

ولقد حدث هذا تماما...

«أحد..

وحين بدأ القتال بين الفريقين، وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم:

أحد أحد..» انخلع قلب أمية، وجاءه النذير . .

إن الكلمة التي

كان يرددها بالأمس عبده تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار

دين بأسره وشعار الأمة الجديدة كلها

«أحد.. أحد..»؟؟!!

أهكذا..؟ وبهذه السرعة.. وهذا النمو العظيم..؟؟

وتلاحمت السيوف، وحمي القتال...

وبينما المعركة تقترب من نهايتها، لمح أمية بن خلف «عبدالرحمن بن عوف» صاحب

رسول الله ﷺ، فاحتمى وطلب إليه أن يكون أسيره؛ رجاء أن يخلص بحياته...

وقبل عبدالرحمن عرضه وأجاره، ثم سار به وسط المعمعة إلى مكان الأسرى.

وفي الطريق لمجه «بلال»، فصاح قائلا:

«رأس الكفر، أمية بن خلف

لا نجوت إن نجا».



ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي طالما أثقله الغرور والكبر، فصاح به عبدالرحمن بن عوف :

وأي بلال.. إنه أسيري».

أسير، والحرب مشبوبة ودائرة..؟؟

أسير، وسيفه يقطر دمًا مما كان

لا... ذلك في رأي بلال ضحك بالعقول وسخرية... ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه

يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين...؟

4.

الكفاية. .

سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها لمثل هذا اليوم، وهذا المأزق، وهذا المصير ... !!

ورأى «بلال» أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين «عبدالرحمن بن عوف»،

خلف، لا نجوت إن نجا»

فصاح بأعلى صوته في المسلمين:

«يا أنصار الله... رأس الكفر أمية

وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر من سيوفهم المنايا، وأحاطت بأمية وابنه ـ وكان يحارب

مع قريش ـ ولم يستطع عبدالرحمن بن عوف أن

بن عوف أن يصنع شيئا... بل لم يستطع أن يحمي أذراعه


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
الرئيسيةfacebockyoutube